الآلوسي
87
تفسير الآلوسي
* ( عَنيد ) * أي طاغ من - عند - بتثليث النون - عنداً - بالإسكان - وعنداً - بالتحريك - وعنوداً - بضم العين إذا طغا وجاوز الحد في العصيان ، وفسره الراغب بالمعجب بما عنده ، والجوهري بمن خالف الحق ورده وهو يعرفه ، وكذا عاند ، ويطلق الأخير على البعير الذي يجور عن الطريق ويعدل عن القصد ، وجمعه - عند - كراكع . وركع ، وجمع العنيد - عند - كرغيف . ورغف ، والعنود قيل : بمعنى العنيد . وزعم بعضهم أنه يقال : بعير عنود ، ولا يقال : عنيد ، ويجمع الأول على عندة . والثاني على عند ، وآخر أن العنود العادل عن الطريق المحسوس . والعنيد العادل عن الطريق في الحكم ؛ وكلاهما من - عند - وأصل معناه على ما قيل : اعتزل في جانب لأن - العند - بالتحريك الجانب يقال : يمشي وسطاً لا عنداً ، ومنه - عند - الظرفية ، ويقال للناحية أيضاً : العند مثلثة ، وهذا الحكم ليس كالحكمين السابقين من جحود الآيات وعصيان الرسل في الشمول لكل فرد فرد منهم فإن اتباع الأمر من أحكام الأسافل دون الرؤساء . وقيل : هو مثل ذلك في الشمول ، والمراد - بالأمر - الشأن - وبكل جبار عنيد - من هذه صفته من الناس لا أناس مخصوصون من عاد متصفون بذلك ، والمراد باتباع الأمر ملازمته أو الرضا به على أتم وجه ، ويؤول ذلك إلى الاتصاف أي إن كلاً منهم اتصف بصفة كل جبار عنيد ، ولا يخفى ما فيه من التكلف الظاهر ، وقد يدعي العموم من غير حاجة إلى ارتكاب مثله ، والمراد على ما تقدم أنهم عصوا من دعاهم إلى سبيل الهدى وأطاعوا من حداهم إلى مهاوي الردى . * ( وَأُتْبِعُواْ فِى هَاذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلاإِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ ) * * ( وَأُتْبعُواْ في هَاذه الدُّنْيَا لَعْنَةً ) * أي إبعاداً عن الرحمة وعن كل خير أي جعلت اللعنة لازمة لهم ، وعبر عن ذلك بالتبعية للمبالغة فكأنها لا تفارقهم وإن ذهبوا كل مذهب بل تدور معهم حسبما داروا ، أو لوقوعه في صحبة اتباعهم ، وقيل : الكلام على التمثيل بجعل اللعنة كشخص تبع آخر ليدفعه في هوة قدامه ، وضمير الجمع لعاد مطلقاً كما هو الظاهر . وجوز أن يكون للمتبعين للجبارين منهم ، وما حال قوم قدامهم الجبارون أهل النار وخلفهم اللعنة والبوار ، ويعلم من لعنة هؤلاء لعنة غيرهم المتبوعين على ما قيل بالطريق الأولى * ( وَيَوْمَ الْقيَامَة ) * أي واتبعوا يوم القيامة أيضاً لعنة وهي عذاب النار المخلد حذف ذلك لدلالة الأول عليه وللإيذان بأن كلاً من اللعنين نوع برأسه لم يجتمعا في قرن واحد بأن يقال : وأتبعوا في هذه الدنيا ويوم القيامة لعنة ، ونظير هذا قوله تعالى : * ( واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة ) * ( الأعراف : 156 ) وعبر - بيوم القيامة - بدل الآخرة هنا للتهويل الذي يقتضيه المقام . * ( إلاَ إنَّ عَاداً كَفَرواْ رَبَّهُمْ ) * أي بربهم . أو كفروا نعمته ولم يشكروها بالإيمان . أو جحدوه * ( أَلاَ بُعْداً لِّعَاد ) * دعاء عليهم بالهلاك مع أنهم هالكون أيّ هلاك تسجيلاً عليهم باستحقاق ذلك والاستئهال له ، ويقال في الدعاء بالبقاء واستحقاقه : لا يبعد فلان ، وهو في كلام العرب كثير ، ومنه قوله : لا يبعدن قومي الذين هم * سم العداة وآفة الجزر وجوز أن يكون دعاء باللعن كما في " القاموس " : البعد . والبعاد اللعن ، واللام للبيان كما في قولهم : سقياً لك ، وقيل : للاستحقاق وليس بذاك ، وتكرير حرف التنبيه وإعادة عاد للمبالغة في تفظيع حالهم والحث على الاعتبار بقصتهم ، وقوله سبحانه : * ( قَوْم هُود ) * عطف بيان على * ( عاد ) * وفائدته الإشارة إلى أن عاداً كانوا فريقين : عاداً الأولى . وعاداً الثانية ، وهي عاد إرم في قول ، وذكر الزمخشري في الفجر أن عقب عاد بن عوض